الرئيسية / مقالات علمية / ريادة الأعمال المنهجية
ريادة الأعمال
ريادة الأعمال

ريادة الأعمال المنهجية

ريادة الأعمال المنهجية

عرف الاقتصادي الفرنسي جان باتيست سيه في القرن الثامن عشر مفهوم “رائد الأعمال” عى انه القادر على  “نقل المصادر الاقتصادية من أحد المجالات الأقل انتاجية إلى مجال أخر أكثر انتاجية وذات عائد أكبر.” ولكن التعريف الذي طرحه جان باتيست سيه لا يخبرنا من هو هذا رائد الأعمال. ومنذ أن صاغ جان باتيست سيه هذا المصلح قبل ما يقارب المائتي عام، خيمت حالة من الالتباس الكامل على مفهومي “رائد الأعمال” و”ريادة الأعمال.”

تُعرف الولايات المتحدة، على سبيل المثال رائد الأعمال على أنه الشخص الذي يرغب بإنشاء مشروع جديد أو البدء بشركة جديدة صغيرة. في الواقع، الدورات التدريبية في “ريادة الأعمال” التي أصبحت لها شعبية كبيرة في الآونة الاخيرة في كليات إدارة الأعمال الأمريكية هي نفس الدورات التي يتعلمها الشخص عندما يبدأ مشروع تجاري صغير من تلك الدورات التي عرضت قبل ثلاثين عاماً وهي لا تختلف كثيراً في العديد من الحالات.

ولكن ليس كل مشروع تجاري صغير يمثل عملاً ريادياً أو ريادة للأعمال.

من المؤكد أن الزوج والزوجة اللذان يرغبان في فتح محل آخر لبيع الأطعمة المعلبة أو فتح مطعم مكسيكي آخر في ضواحي أمريكا يخاطران. ولكن هل يمكن اعتبارهما رواد أعمال؟ فكل ما يقومان به تم فعله مرات كثيرة في السابق. إنهم يراهنون على زيادة شعبية من يتناولون الطعام في منطقتهم ولكنهم لم يحصلوا على رضا الزبائن ولم يحصلوا على طلب زبون جديد. ومن هذا المنظور لا يمكن اعتبارهم رواد أعمال على الرغم من أن مشروعهم التجاري جديد.

ومع ذلك، كانت شركة ماكدونالدز مشروع صغير أو شركة ناشئة. لم تبتكر أي جديد. لأن ما توصلت إليه من منتجات كان يقدمها أي مطعم أمريكي لائق قبل أعوام. ولكنها عندما طبقت المفاهيم الإدارية والتقنيات التكنولوجية (متسائلة عن القيمة المناسبة للزبون؟) وعملت على توحيد معايير المنتج،” ووضع التصاميم لسير عملها والأدوات، ومن خلال اسناد التدريب على تحليل العمل الذي ترغب القيام به ومن ثم تحديد المعايير المطلوبة لتنفيذ العمل، أحرزت ماكدونالدز تقدماً كبيراً في العائد من الموارد، وأوجدت سوق جديد وزبون جديد. وهذا ما يقصد بريادة الأعمال.

ومثال أخر على ريادة الأعمال هو مشغل حديد أخذ بالنمو بدأه فريق يتكون من زوج وزوجة قبل بضعة سنوات في الغرب الأوسط الأمريكي لتسخين وصقل المسبوكات الحديدية وفقاً للمواصفات عالية الأداء –على سبيل المثال، محاور العجلات للجرافات الضخمة التي تُستخدم لتسوية الأراضي وحفر الخنادق لمد أنابيب الغاز الطبيعي عبر ألاسكا.  في بادئ الأمر حقق هذا المشغل القليل ولكنه ما كان ليحقق ذلك في الماضي. قام السباكون في المقام الأول بتنظيم المعلومات التقنية حيث يمكنهم الآن وضع مواصفات الأداء في كمبيوترهم والحصول على نسخة مطبوعة فورية للشكل المطلوب. ثم بعد ذلك قاموا بترتيب العملية بشكل منهجي حيث أصبحت بعض الطلبات على أكثر من نصف عشرات القطع من نفس البعد ونفس التكوين المعدني ونفس الوزن ونفس مواصفات الأداء. ولكن أصبحت المسبوكات تُنتج من خلال عملية متدفقة وليست في دفعات وأصبحت تنتج من خلال آلات وأفران يتحكم بها الكمبيوتر تقوم بتعديل هذه المسبوكات.

كان معدل الرفض لهذا النوع من المسبوكات الدقيقة يتراوح ما بين 30 إلى 40 في المائة; ولكن في هذا المسبك الجديد أصبحت 90 في المائة أو أكثر من هذه المسبوكات لا تشوبها شائبة عند الانتهاء من تصنيعها، وأصبحت التكاليف أقل من ثلثي تلك التي يقدمها أرخص منافس (حوض بناء السفن الكوري) على الرغم من أن هذا المسبك يدفع كامل أجور الاتحاد الأمريكي وكذلك الفوائد. لم يصبح هذا المشروع عملاً ريادياً لأنه صغير وما يزال صغيرًا (على الرغم من النمو السريع الذي يحققه).  فالأمر الذي يجعله عملاً ريادياً هو إدراك أن المسبوكات من هذا النوع منفصلة ومميزة وأن الطلب على هذه المسبوكات ازدادت بشكل كبير فيما يتعلق بإنشاء “منفذ سوقي” وأن التكنولوجيا ولا سيما تكنولوجيا الكمبيوتر جعلت من الممكن تحويل أحد الفنون إلى عملية علمية.

وبالطبع، جميع المشاريع التجارية الصغيرة لديها العديد من العوامل المشتركة. ولكن لتكن ريادياً، يتعين على رائد الأعمال أن يمتلك خصائص مميزة تتجاوز كون المشروع جديد وصغير. في الواقع، رواد الأعمال يمثلون قلة بين المشاريع التجارية الجديدة. يخلقون شيء ما جديد، شيء مختلف فهم يغيرون القيم أو يحولونها.

ليس شرطاً أن تكون الشركة جديدة وصغيرة حتى تصبح عملاً ريادياً. في الواقع، توجد شركات كبرى تمارس ريادة الأعمال وغالباً ما تكون شركات قديمة. تعد شركة جنرال إليكتريك أحد أكبر الشركات العالمية والتي مضى على تأسيسها أكثر من مائة عام ولديها باع طويل في بدء المشاريع التجارية الريادية من نقطة الصفر ورفع مستواها لتصل إلى صناعات ضخمة. ولم يقتصر عملها الريادي على مجال التصنيع فقط. فهي شركة رائدة في الخدمات المالية والائتمانية وأثارت الاضطرابات التي تعمل حالياً على تحويل النظام المالي الأمريكي والتي تنتشر الآن بسرعة كبيرة في المملكة المتحدة وأوروبا الغربية أيضاً. تجاوز فضل شركة جينرال إلكتريك في الستينات خط ماجينو ليصل للعالم المالي ما وراءه عندما اكتشفت أن الأوراق التجارية يمكن استخدامها لتمويل الصناعة و أوقف هذا احتكار البنوك التقليدي للقروض التجارية.

ربما كانت شركة ماركس أند سبنسر، أضخم سلسلة متاجر تجزئة في بريطانيا، من أكثر الأعمال الريادية والمبتكرة من أي شركة في أوروبا الغربية في السنوات الخمسين الماضية، ومن المرجح أن تأثيرها على الاقتصاد البريطاني وكذلك على المجتمع البريطاني فاق تأثير أي عوامل محفزة للتغيير في بريطانيا ولن نبالغ إن قلنا إن تأثيرها فاق تأثير الحكومة وقوانينها.

مرة أخرى، يوجد العديد من الأشياء المشتركة بين شركة جنرال إليكتريك وماركس أند سبنسر وبين الشركات الكبيرة الموجودة التي لا تعد أعمال ريادية. فالذي يجعلها ريادية هي خصائص مميزة تمتلكها غير الحجم ونمو أعمالها.

أخيراً، تقتصر ريادة الأعمال بأي حال من الأحوال فقط على المؤسسات الاقتصادية.

لا يمكننا العثور على نص يتناول تاريخ ريادة الأعمال أفضل من إنشاء الجامعة الحديثة ومراحل تطويرها، ولا سيما الجامعة الأمريكية الحديثة. فكما نعلم أن أول من ابتكر الجامعة الحديثة هو الدبلوماسي الألماني والموظف الحكومي فيلهلم فون هامبولد الذي أسس جامعة برلين عام 1809 واضعاً هدفين واضحين أمامها: نقل القيادة الفكرية والعلمية من الفرنسيين وتقديمها إلى الألمان; وتحديد الطاقات التي أطلقتها الثورة الفرنسية وتحويلها ضد الفرنسيين أنفسهم ولا سيما ضد نابليون. فبعد مرور ستين عاماً أي حوالي عام 1870، عندما بلغت الجامعة الألمانية ذروتها، شاعت فكرة هامبولد عن الجامعة باعتبارها عامل تغير عبر المحيط الأطلسي وفي الولايات المتحدة. هناك، مع نهاية الحرب الأهلية، تلاشت الكليات القديمة من الحقبة الاستعمارية بسبب قدمها ففي عام 1870، انخفض عدد الطلاب الجامعيين في الولايات المتحدة إلى ما دون النصف مما كانوا عليه عام 1830 على الرغم من أن عدد السكان قد تضاعف ثلاثة مرات تقريباً. ولكن في السنوات الثلاثين اللاحقة قامت نخبة من أبرز رؤساء الجامعات الامريكية بإنشاء جامعة أمريكية جديدة[1] والتي سرعان ما حصلت بعد الحرب العالمية الأولى على المنح الدراسية والأبحاث للولايات المتحدة الأمريكية من جمع أنحاء العالم، تماماً كما فعلت جامعة هامبولد التي كان لها دور قيادي على مستوى العالم في المنح الدراسية والأبحاث لألمانيا قبل قرن من الزمن.

[1] راجع القسم المتعلق بالجامعة الأمريكية في كتابي الإدارة: مهام ومسؤوليات وممارسات ( نيويورك: Harper & Row

ظهر بعد الحرب العالمية الثانية جيل جديد من رواد الأعمال الأكاديميين الأمريكيين مرة أخرى، والذين عملوا على بناء جامعات جديدة خاصة وحضرية مثل: جامعة بيس وفيرلي ديكنسون، ومعهد نيويورك للتكنولوجيا في نيويورك; وجامعة الشمال الشرقي في بوسطن، وجامعة سانتا كلارا وغولدن جيت على الساحل الغربي، والعديد من الجامعات. لقد كان لهذه الجامعات الفضل في تشكيل قطاع نمو رئيسي في مجال التعليم العالي في أمريكا في السنوات الثلاثين الماضية. يبدو أن معظم هذه الجامعات الجديدة تختلف قليلاً عن المؤسسات القديمة في مناهجها الدراسية. ولكنها صُممت بشكل مقصود لتتناسب مع سوق جديد ومختلف” – أي للأشخاص الذين هم في منتصف حياتهم المهنية وليست للشباب حديثو التخرج من الثانوية العامة ولطلاب المدن الكبيرة الذين يترددون على الجامعة طيلة ساعات النهار والليل وليست لأولئك الطلاب الذي يعيشون داخل الحرم الجامعي ويذهبون إلى المدرسة بدوام كامل، أي خمسة أيام في الأسبوع من الساعة التاسعة وحتى الساعة الخامسة، وإلى الطلاب القادمين من خلفيات متباينة، وليست لطلاب الجامعة المتوافقين مع التقاليد الامريكية. لقد كانت هذه الجامعات استجابة لتحول كبير في السوق، استجابة لتحول في الشهادة الجامعية من “الطبقة العليا” إلى “الطبقة الوسطى واستجابة لتحول كبير في معنى الذهاب إلى الجامعة. ما من شك بأن هذه الجامعات تمثل ريادة الأعمال.

يمكن للمرء أن يكتب بنفس القدر دراسة حالة عن ريادة الأعمال مستنداً إلى تاريخ المستشفيات من أول ظهور للمستشفيات الحديثة في أواخر القرن الثامن عشر في إدنبرة وفيينا إلى إنشاء الأشكال المختلفة من “المستشفيات المجتمعية” في أمريكا في القرن التاسع عشر، إلى المراكز الكبرى المتخصصة في أوائل القرن العشرين مثل عيادة مايو أو عيادة مينينجر، إلى ظهور المستشفى كمركز رعاية صحية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. حيث أصبح الشغل الشاغر لرواد الأعمال في وقتنا الحاضر هو تغيير المستشفيات مرة أخرى إلى مراكز علاج متخصصة: عيادات جراحية متنقلة، ومراكز معنية بالأمومة القائمة بحد ذاتها، أو مراكز الطب النفسي، حيث تختلف فيها نسبة الاهتمام عن المستشفيات التقليدية من حيث رعاية المريض وليس من حيث الاحتياجات المتخصصة.

مرة أخرى، لا تعد كل مؤسسة خدمات غير تجارية رائدة أعمال. لا يزال عدد قليل من هذه المؤسسات يتمتع بكافة المميزات وجميع المشاكل وجميع العلامات المميزة التي تتسم بها المؤسسة الخدماتية*. فالأمر الذي يجعل هذه المؤسسات الخدماتية رائدة أعمال شيء ما مختلف، شيء ما مميز.

* لمزيد من هذا الموضوع راجع قسم الأداء في المؤسسات الخدماتية ( الفصل 11-14)  في المهام الإدارية والمسؤوليات والممارسات ولكن راجع أيضا الفصل الرابع عشر من هذا الكتاب، ريادة الاعمال في المؤسسات الخدماتية.

في حين يعرف الإنجليز ريادة الأعمال بأنها مشاريع صغيرة جديدة في حين يعرفها الألمان بأنها القوة والممتلكات وهو أمر مضلل. مصطلح رجل الأعمالUnternehmer – الترجمة الحرفية إلى الألمانية لكلمة رجل الأعمال entrepreneur حسب وجهة نظر ساي – هو الشخص الذي يمتلك ويدير مشروع ما (المصطلح الإنجليزي المقابل له “المدير المالك”). ويُستخدم المصطلح بصورة أساسية للتمييز بين “الرئيس” الذي يمتلك المشروع عن “المدير المهني” وعن ” المتعاقد”.

لكن المحاولات الأولى لخلق مشاريع صغيرة ممنهجة كانت –البنك الريادي الذي تأسس في فرنسا عام 1857 على يد الأخوين Pereire في شركتهم كريدي موبيلييه ثم أنجز في عام 1870 عبر نهر الراين على يد جورج سيمنز شركته دويتش بانك ، ومن ثم إلى الأطلسي وإلى نيويورك في نفس الوقت على يد الشاب جون بيربونت مورجان – الذي لم يكن هدفه ملكية البنك. كانت مهمة صاحب البنك كرائد أعمال حشد أموال أشخاص آخرين لإحالتها لمجالات أكثر إنتاجية وذات عائد أكبر. أصبح المصرفيون الأوائل أمثال عائلة روتشيلد مالكون لهذه البنوك. فكلما شُيدت سكة حديدية، مولوها بمالهم الخاص. لكن على النقيض من ذلك لم يرغب المصرفي الريادي أبدًا بأن يكون مالكاً لشيء. فهو يجمع ماله من خلال البيع للعامة أسهم الشركات التي مولها وهي في بداية تطورها. وحصل على المال لمشاريعه من خلال الاقتراض من عامة الناس.

على الرغم من أنه لا يوجد رواد الأعمال الرأسماليين إلا أنهم بحاجة إلى رأس المال مثلهم مثل كافة النشاطات الاقتصادية (ومعظم النشاطات غير الاقتصادية). هم ليسوا مستثمرين كذلك. هم يجازفون بالطبع كما يفعل أي شخص يدير أي نشاط اقتصادي.  حيث يكمن جوهر النشاط الاقتصادي في التزام الموارد الحالية بتوقعات المستقبل وهذا يؤدي إلى الشكوك والمخاطرة. رائد الأعمال كذلك ليس صاحب عمل لكنه يمكن أن يكون موظفًا وغالباً ما يكون كذلك – أو شخص ما يعمل وحيدًا.

وبالتالي فإن ريادة الأعمال سمة مميزة سواء للفرد أو للمؤسسة. لكنها ليست سمة شخصية، ففي الثلاثين سنة التي رأيت فيها أشخاص أصحاب شخصيات ومزاج متقلب يؤدون بنجاح في تحديات ريادة الأعمال.

من غير المرجح أن يقيم الأشخاص الذين يحتاجون للثقة اعمال ريادية جيدة. كما ومن غير المرجح أن يؤدي هؤلاء الأشخاص بنجاح في مجموعة من الأنشطة الأخرى– في السياسة على سبيل المثال أو في المناصب القيادية أو في الخدمة العسكرية، أو ككابتن لعابرة المحيطات. في كل هذه المهن السابقة يجب اتخاذ القرارات والشك أو عدمه جوهر أي قرار.

لكن أي شخص يمكنه مواجهة صناعة القرار يستطيع أن يتعلم كيف يصبح رائد أعمال ويتصرف كرائد أعمال. إذًا ريادة الأعمال سلوك وليس سمة شخصية. وتأسيس ريادة الأعمال يكمن في مفهوم ونظرية وليس في حدس.

الجزء الثاني

تعتمد كل ممارسة على نظرية، حتى لو كان الممارسون أنفسهم غير واعون لهذه الممارسة. فممارسة ريادة الأعمال تعتمد على نظرية الاقتصاد والمجتمع. وتنظر هذه النظرية إلى التغيير على أنه أمر طبيعي وفي الحقيقة صحي أيضًا. وترى أن المهمة الأساسية في المجتمع – وخاصة في مجال الاقتصاد – تمامًا مثل فعل شيء مختلف بدلاً من تصحيح ما تم فعله. وهذا ما قصده تمامًا جان بابتست ساي قبل مائتي عام عندما صاغ مصطلح رائد الأعمال. وكان الهدف من وراءه إعلان المعارضة: اضطرابات رائد الأعمال وإثارته للفوضى. كما صاغها جوزيف شومبيتر، مهمة رائد الأعمال “التدمير الخلاق.”

كان ساي معجبًا بآدم سميث. حيث ترجم ثروة الأمم، وهي أهم مؤلفاته الاقتصادية عام (1776) إلى الفرنسية، ونشر دون كلل أو ملل طوال حياته أفكار وسياسات سميث. لكن إسهامه الخاص للفكر الاقتصادي بمصطلح رائد الأعمال وريادة الأعمال مستقل عن الاقتصاد الكلاسيكي بل في الواقع يتعارض معه. يركز الاقتصاد الكلاسيكي على الاستخدام الأمثل لما هو موجود بالفعل كما تفعل النظرية الاقتصادية السائدة لهذا اليوم، بما فيهم أتباع كينز، وأتباع فريدمان، واقتصاد الموارد الجانبية. يركز الاقتصاد الكلاسيكي على الحصول على أقصى استفادة من الموارد المتاحة والتي تهدف إلى تحقيق التوازن. لا يمكن لهذا الاقتصاد التعامل مع رائد الأعمال لكنها تلقي به إلى عالم غامض من “القوى الخارجية” حيث المناخ والطقس، الحكومة والسياسة، الوباء والحرب والتكنولوجيا أيضًا. لا ينكر الخبير الاقتصادي التقليدي، بغض النظر عن مدرسته الفكرية، وجود وأهمية هذه القوى الخارجية الموجودة أصلاً. لكن هذه القوى ليست جزءً من هذا العالم، ليست موجودة في نموذج هذا العالم، وفي معادلاته، أو في توقعاته.

في حين حرص كارل ماركس كل الحرص على التكنولوجيا – حيث كان أول وأفضل مؤرخين التكنولوجيا وما يزال – إلا أنه لم يقبل بفكرة رائد الأعمال أو ريادة الأعمال في نظامه أو في اقتصاده. بالنسبة لماركس تتجاوز كل التغييرات الاقتصادية الاستخدام الأمثل للموارد الحالية، وهذا يعني أن تحقيق التوازن هو نتيجة التغييرات في علاقات الملكية والسلطة وبالتالي “السياسة” والتي تضع هذه التغييرات خارج النظام الاقتصادي نفسه.

كان جوزيف شومبيتر أول اقتصادي يعود إلى ساي. في كلاسيكيته (نظرية التنمية الاقتصادية) المنشورة عام 1911، انفصل شومبيتر عن الاقتصاد التقليدي – سلك طريقاً أكثر تشدداً مما كان سيفعله جون ماينارد كينز بعد عشرين عامًا. وافترض بأن اختلال التوازن الديناميكي نجم عن رائد الأعمال المبتكر من خلال تحقيق التوازن والاستخدام الأمثل للموارد وهو “معيار” الاقتصاد الصحي والحقيقة الأساسية للنظرية الاقتصادية والممارسة الاقتصادية.

كان ساي مهتمًا بشكل أساسي بالمجال الاقتصادي. لكن تعريفه يدعو فقط إلى أن تكون الموارد “اقتصادية”. حيث أن الغرض من تكريس هذه الموارد لا ينبغي أن يفكر فيها تقليديًا كموارد اقتصادية. عادة لا يعد التعليم “اقتصادي”، وبالتأكيد المعايير الاقتصادية هي بالكاد مناسبة لتحديد “العائد” من التعليم (رغم أنه لا أحد يعلم ما هي المعايير التي ربما تكون متعلقة بالتعليم). لكن موارد التعليم اقتصادية بكل تأكيد. وهي بالطبع معايير متطابقة مع تلك المستخدمة للأغراض الأكثر اقتصادية التي لا لبس فيها مثل صناعة الصابون من أجل بيعها. في الحقيقة إن الموارد المتاحة لكافة النشاطات الاجتماعية للبشر هي نفسها وهي موارد “اقتصادية”: رأس المال (هي الموارد المحجوبة عن الاستهلاك الحالي والمخصصة بدلاً من ذلك للتوقعات المستقبلية) والموارد المادية مثل الأرض وبذور الذرة والنحاس والغرفة الصفية أو سرير المستشفى والعمل والإدارة والوقت. وبالتالي ريادة الأعمال ليست مقصورة بأي حال من الأحوال على المجال الاقتصادي رغم أن المصطلح نشأ في هذا المجال. بل يتعلق مصطلح ريادة الأعمال بكافة النشاطات الإنسانية أكثر من تلك المصطلحات التي يمكن أن يطلق عليها “وجودية” بدلاً من “اجتماعية”. نعلم الآن بأنه يوجد اختلاف طفيف بين مجالات ريادة الأعمال، بغض النظر عن المجال. رائد الأعمال في مجال التعليم ورائد من مجال الرعاية الصحية – كلاهما حقول خصبة – يفعلان نفس الأشياء، ويستخدمان نفس الأدوات ويواجهان نفس المشاكل مثل رائد الأعمال في مشروع تجاري أو في نقابة عمالية.

يرى رواد الأعمال التغيير على أنه العرف السائد وأنه أمر صحي. وعادة لا يحدثون التغيير بأنفسهم. لكن – وهذا يعرف رائد الأعمال وريادة الأعمال– دائمًا ما يبحث رائد الأعمال عن التغيير ويستجيب له ويستغله كفرصة سانحة لتحقيق النجاح.

الجزء الثالث

يعتقد الجميع أن ريادة الأعمال فيها الكثير من المخاطرة. وفي الحقيقة في مثل مجالات التكنولوجيا الحديثة – الحواسيب الشخصية على سبيل المثال أو علم الوراثة البيولوجية – التي يتضح فيها الابتكار، فإن معدل الضحايا فيها مرتفع وفرص النجاح أو حتى البقاء على قيد الحياة ضئيلة جدًا.

لكن لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟ يقوم رواد الأعمال بتحويل الموارد من مجالات منخفضة الإنتاج والعائد لمجالات إنتاجيتها أعلى والعائد فيها أكبر، هذا هو دور رواد الأعمال. بالطبع هناك مخاطرة بأنهم ربما لن ينجحوا بذلك. لكن حتى لو حققوا نجاحاً نسبيًا فإن العوائد ستكون أكثر من كافية لتعويض أي مخاطر محتملة. ولذلك ينبغي على المرء أن يتوقع أن يكون مجال ريادة الأعمال إلى حد كبير أقل مخاطرة من الاستخدام الأمثل للموارد. في الحقيقة ليس هناك شيء على نفس درجة المخاطرة من الاستخدام الأمثل للموارد في المجالات التي يكون فيها الابتكار هو المسار الصحيح والمربح، والتي تكون فيها فرص الابتكار متاحة مسبقًا. نظريًا، ينبغي أن تكون ريادة الأعمال محفوفة بالمخاطر أقل من أي مجال آخر.

في الحقيقة، هناك العديد من المؤسسات رائدة الأعمال والتي يكون فيها معدل تحقيق النجاح عالي جداً لكنها تكذب على الجميع لأن العالم يؤمن بوجود مخاطرة عالية فريادة الأعمال والابتكار.

فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة هناك مختبرات بل وهي الذراع الابتكاري لنظام هاتف بل. لأكثر من سبعين عام – من تصميم أول لوحة مفاتيح تلقائية في 1911 حتى تصميم كابل الألياف البصرية في 1980 بما في ذلك تصميم الترانستور وأشباه الموصلات ولا ننسى النظرية الأساسية والأعمال الهندسية على الكمبيوتر – حققت مختبرات بل نجاحًا تلو الآخر. حيث يشير سجل مختبرات بل إلى أن مجال ريادة الأعمال والابتكار يمكن أن يكون منخفض المخاطر حتى في مجال مثل مجال التكنولوجيا الفائقة.

لم تمنى شركة IBM سريعة التقدم في مجال التكنولوجيا الفائقة، في الكمبيوتر وفي المنافسة مع “المحترفين القدامى” في مجال الكهرباء والالكترونيات، ولو حتى بفشل واحد كبير حتى الآن. ولم تفشل أيضًا سلسة متاجر ماركس وسبنسر البريطانية في صناعات أقل شأناً، وهم من كبار تجار التجزئة في العالم للمشاريع الريادية. وأكبر شركة إنتاج وتعبئة للسلع الاستهلاكية ذات العلامات التجارية في العالم شركة بروكتر وغامبل هي الأخرى تتمتع بسجل شبه مثالي من الابتكارات الناجحة. وشركة middletech في3M في سانت بول، مينيسوتا والتي أنتجت حوالي مئة مشروع جديد وخطوط إنتاج رئيسية جديدة في السنوات الستين الماضية نجحت في أربعة مرات من أصل خمسة في مشاريعها.

هذه فقط عينة صغيرة من رواد الأعمال الذين كانوا يبتكرون بطريقة منخفضة المخاطر. بكل تأكيد هناك العديد من رواد الأعمال ريادة أعمالهم منخفضة المخاطر لمجرد الصدفة، أو لنظام خاص للآلهة أو مصادفة أو مجرد فرصة.

هناك أيضًا أصحاب المشاريع الفردية ممن معدل ربحهم عند البدء في مشاريع جديدة مرتفع مما يدحض الاعتقاد السائد للمخاطرة العالية في مجال ريادة الأعمال.

ريادة الأعمال “محفوفة بالمخاطر” بشكل رئيسي لأن قليل جدًا ممن يدعون أنهم من رواد الأعمال يعلمون ماذا يفعلون، لأنهم يفتقرون للمنهجية، لأنهم ينتهكون قواعد أساسية ومعروفة. وهذا بشكل خاص صحيح عن أصحاب المشاريع ذات التقنية العالية. ولتتأكد من هذا الأمر (سنتطرق له في الفصل التاسع). فالمشاريع ذات التقنيات العالية والابتكار هي في جوهرها أكثر صعوبة وخطورة من الابتكار القائم على الاقتصاد، وعلى هيكلية السوق، وعلى التركيبة السكانية، أو حتى القائم على شيء يبدو غامضًا وغير ملموسًا مثل ايدلوجية ما – تصورات ومزاجية ما. لكن حتى المشاريع ذات التقنيات العالية لا تحتاج إلى تكون فيها “المخاطر” مرتفعة كما أثبتت شركة IBM ومختبرات بل. لكنها تحتاج إلى أن تكون منظمة وأن يكون لها إدارة جيدة. وأهم من كل ما سبق أن تكون قائمة على ابتكار هادف.

شاهد أيضاً

انتاج محتوى من أجل التسويق

انتاج محتوى من أجل التسويق يعد داني بلاكبيرن المسؤول عن انتاج المحتوى في شركة IMP …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *